ابن الجوزي
162
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
نحن طيبوا الأنفس بأن تجهز بربح هذه العير جيشا إلى محمد ، فقال أبو سفيان : أنا أوّل من أجاب إلى ذلك ، وبنو عبد مناف معي ، فباعوها فصارت ذهبا ، وكانت ألف بعير ، وكان المال خمسين ألف دينار ، فسلم إلى أهل العير رؤس أموالهم ، وعزلت الأرباح ، وبعثوا الرسل إلى العرب يستنصرونهم ، وأجمعوا على إخراج الظَّعن [ 1 ] معهم ليذكّرنهم قتلى بدر [ فيحفظنهم ] [ 2 ] فيكون أجدّ لهم في القتال . وكتب العباس بن عبد المطلب إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بخبرهم ، فخرجت قريش ومعهم أبو عامر الراهب ، وكان عددهم ثلاثة آلاف فيهم سبعمائة دارع ، ومعهم مائتا فرس وثلاثة آلاف بعير ، وكانت الظَّعن خمسة عشرة امرأة ، فساروا حتى نزلوا ذا الحليفة فأقاموا يوم الأربعاء والخميس والجمعة ، وبات سعد بن معاذ ، وسعد بن عبادة ، وأسيد بن حضير بباب رسول / الله صلَّى الله عليه وسلَّم في عدة من الناس ، وحرست المدينة ، ورأى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كأنّه في درع حصينة ، وكأنّ سيفه ذا الفقار قد انفصم ، وكأن بقرا تذبّح ، وكأنّه مردف كبشا ، [ فأولها ] [ 3 ] فقال : أمّا الدرع فالمدينة ، والبقر قتل في أصحابي ، وانقصام سيفي مصيبة في نفسي ، والكبش كبش الكتيبة نقتله إن شاء الله ، وكان رأيه صلَّى الله عليه وسلَّم أن لا يخرج من المدينة ، وكان ذلك رأي الأكابر من أصحابه ، وطلب فتيان أحداث لم يشهدوا بدرا أن يخرجوا حرصا على الشهادة فغلبوا على الأمر ، فصلَّى الجمعة ثم وعظهم وأمرهم بالجد والجهاد ، ثم صلَّى العصر ، ثم دخل بيته ومعه أبو بكر ، وعمر فعمّماه ولبّساه وصفّ الناس له ، فخرج صلَّى الله عليه وسلَّم قد لبس لأمته وأظهر الدرع ، وحزم وسطها بمنطقة من أدم واعتمّ ، وتقلَّد السيف ، وألقى الترس في ظهره ، فندموا جميعا على ما صنعوا ، وقالوا : ما كان لنا أن نخالفك فاصنع ما بدا لك ، فقال : صلَّى الله عليه وسلَّم لا ينبغي لنبيّ إذا لبس لأمته أن يضعها حتّى يحكم الله بينه وبين أعدائه فامضوا على اسم الله ، فلكم النصر إن صبرتم [ 4 ] .
--> [ 1 ] الظعن : جمع ظعينة ، وهي المرأة ما دامت في الهودج . [ 2 ] ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصل ، وأوردناها من أ ، وابن سعد . [ 3 ] ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصل ، وأوردناها من ابن سعد 1 / 2 / 26 . [ 4 ] في ابن سعد : « ما صبرتم » .